الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

305

تفسير روح البيان

لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به سرمدا لكن ليس ذلك الا بعد انقطاع حراق النار بواطنهم وظواهرهم بمرور الأحقاب وكل منهم تحرقه النار ألف سنة من سنى الآخرة لشرك يوم واحد من أيام الدنيا والظاهر عليهم بعد مرور الأحقاب هو الحال الذي يدوم عليهم أبدا وهو الحال الذي كانوا عليه في الأزل وما بينهما ابتلاءات رحمانية والابتلاء حادث قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون عصمنا اللّه وإياكم من دار البوار انتهى فهذه كلمات القوم في هذه الآية ولا حرج في نقلها ونحن لا نشك في خلود الكفار وعذابهم أبدا فإن كان لهم العذاب عذابا بعد مرور الأحقاب فقد بدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون كما أن المعتزلي يقطع في الدنيا بوجوب العذاب لغير التائب ثم قد يبدو له في الآخرة ما لم يكن يحتسبه من العفو وسئل الشيخ الامام مفتى الامام عز الدين ابن عبد السلام بعد موته في منام رآه السائل ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قراءة القرآن للموتى فقال هيهات وجدت الأمر بخلاف ما كنت أظن قالوا خلود أهل النار من الكفار لا معارض له فبقى على عمومه وخلود أهل الكبائر له معارض فيحمل على المكث الطويل فأهل الظاهر والباطن متفقون على خلود الكفار سواء كانوا فرعون وهامان ونمرودا وغيرهم وانما اختلفوا في ارتفاع العذاب عن ظواهرهم بعد مرور الأحقاب وكل تأول بمبلغ علمه والنص أحق ان يتبع قال حجة الإسلام الكفرة ثلاث فرق منهم من بلغه اسم تبينا عليه السلام وصفته ودعوته كالمجاورين في دار الإسلام فهم الخالدون لا عذر لهم ومنهم من بلغه الاسم دون الصفة وسمع ان كذابا مسلما اسمه محمد ادعى النبوة ومنهم من لم يبلغه اسمه ولا رسمه وكل من هاتين الفرقتين معذور في الكفر ونقل مثله عن الأشعري كذا في شرح العقائد لمصلح الدين وقال المولى داود القيصري في شرح الفصوص الوعيد هو العذاب الذي يتعلق بالاسم المنتقم وتظهر أحكامه في خمس طوائف لا غير لان أهل النار اما مشرك أو كافر أو منافق أو عاص من المؤمنين وهو ينقسم إلى الموحد العارف الغير العامل والمحجوب وعند تسلط سلطان المنتقم عليهم يتعذبون بنيران الجحيم وأنواع العذاب غير مخلدة على أهله لانقطاعه بشفاعة الشافعين وآخر من يشفع وهو أرحم الراحمين جَزاءً وِفاقاً اى جوروا بذلك جزاء وفاقا لاعمالهم وأخلاقهم كأنه نفس الوفاق مبالغة أو ذا وفاق لها على حذف المضاف أو وافقها وفاقا فيكون وفاقا مصدرا مؤكدا لفعله كجزآء والجملة صفة لجزآء وجه الموافقة بينهما انهم أتوا بمعصية عظيمة وهي الكفر فعوقبوا عقابا عظيما وهو التعذيب بالنار فكما انه لا ذنب أعظم من الشرك فكذا الاجزاء أقوى من التعذيب بالنار وجزاء سيئة سيئة مثلها فتوافقا وقيل كان وفاقا حيث لم يزد على قدر الاستحقاق ولم ينقص عنه قال سعدى المفتى اعلم أن الكفار لما كان من نيتهم الاستمرار على الكفر كما سيشير اليه قوله تعالى انهم كانوا لا يرجون حسابا إذ معناه انهم كانوا مستمرين على الكفر مع عدم توقع الحساب فوافقه عدم تناهى العذاب واللبث فيها أحقابا بعد احقاب ولما كانوا مبدلين التصديق الذي